صوت خبط على الباب انتشلها من شرودها، لتسمع صوت أختها الصغرى ميرنا آتياً من خارج غرفتها:ـ يا نهلة.. أبوي بيقولك تعالي اتغدي.. يا نهلة!ـ خلاص!خرج صوتها تقاطع أختها بحدة لتكمل باعتراض واهٍ:ـ روحي بلّغيهم إنها مش هتتزفت.. مش هاكلة!
وبفعل غير متوقع، جاء الرد الجاف من والدها مباشرة:ـ واحنا بنقولك عنك ما كلتي وعنك ما اتزفتي! اللي بيأكل على ضِرْسه ينفع نفسه.. يلا يا ميرنا. ومشيا هما الاثنين.. للأسف، لم تكن قادرة على لوم والدها على قسوته، ولا هي قادرة على إرضائه بأي شكل من الأشكال.
..................ارتدت عبائة جديدة من دولابها اليوم، ووضعت كحلاً في عينيها بعد أن غطت وجهها بطبقة رقيقة من كريم أعطته إياها نهلة من قبل، حتى زادت بشرته نضارة واشراقا، واكتفت بوضع زبدة كاكاو على شفتيها. أعجبها شكلها أمام المرآة وهي تلف الطرحة حول رقبتها؛
فما دام أخوها قادماً ومعه ضيوف، إذن فلا بد ألا تقصر في الاهتمام بنفسها لكيلا يشعر بالندم. أحست بحركة غريبة داخل المنزل استنتجت منها حضور الضيوف، وجاءها التأكيد بخبطة صغيرة على باب الغرفة من أخيها يخبرها:ـ صابرين.. تعالي على الصالة سلمي على الضيوف.
فور أن سمعته، تحركت لتلبي طلبه متجهة إلى الصالة، وما كادت تصل إليها حتى تسمرت قدماها بخضة، وهي ترى الضيف الذي اقتصر على رجل واحد، وليس هناك أي نساء كما فهمها منتصر، والذي كان أول من انتبه لها ليصطادها قبل أن تهرب:ـ صابرين!
تعالي.. واقفة عندك ليه؟ما كاد ينهي جملته حتى انتفض من كان جالساً معطياً إياها جانب كتفه ليقف ويكون في مواجهتها تماماً، يتأملها بصمت وعيون مشتاقة تطوف على الوجه الذي تهتم به لأول مرة اليوم، فظهرت كالبدر في ليل تمامه، بعبائتها الجديدة على جسدها الممشوق وطولها المتوسط.
هو الذي طوال عمره مشهور بلباقته واتزانه، تجمد في مكانه مثلها، ينظر إليها بابتسامة فضحته أمامهما بينما الخجل يكاد يقتلها، إلا أن تدخل منتصر بروحه المرحة أنقذ الموقف:ـ إيه يا شيخ؟! لتكون نسيت شكل صابرين بعد ما سافرت؟!رد جاسم بلهجته السعودية:ـ الله يجازي شيطانك..
وهل صابرين أحد يقدر ينساها يا رجل؟!ضحك منتصر وهو يلتفت إلى صابرين، ليتمالك نفسه ويمد كف يده ليصافحها:ـ إزيك يا صابرين؟ ولا تكونين إنتِ كمان نسيتيني؟!سلمت ترد بارتباك قبل أن تهرب منه ناحية أخيها توبخه بصوت هامس:ـ لاه، هأنسى إزاي؟
! أنا بس اتفاجأت.. أصلك ما قلتش إنك راجع البلد! قصدي.. هو اللي ضحك عليّ وقال إن الضيوف حريم...قطعت كلامها بعد أن حست أنها أربكها الموقف والثلاثة انصب تركيزهم معها؛ أخوها، ووالدتها التي كانت واقفة تراقب باستمتاع، وجاسم الذي اشفق عليها، فتدخل ليخفف عنها بلهجته السعودية:ـ أنا اللي حبيت أعملها مفاجأة، وهو بس ساعدني.
. أتمنى تكون مفاجأة سارة وما أكون أزعجتك. ردت بابتسامة رقيقة:ـ لا، كف الله الشر.. إيه اللي هيجيب إزعاج يعني؟! حمد لله على السلامة. ـ الله يسلمك يا صابرين. قالها جاسم بارتياح، قبل أن يقطع منتصر عليه لحظته الجميلة معها:ـ خلاص، تحضرولنا لقمة بسرعة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.