. والله ما أقدر!وتابع الأكل بشهية مفتوحة أمام ابتسامات منتصر التي كانت السعادة تملأ وجهه، إلى أن سمعا فجأة صوت طرق على الباب الخارجي، وكانت والدته هي من ذهبت لتفتح. وما هي إلا ثوانٍ معدودات حتى تفاجؤوا بآخر شخص يمكن أن يتمنوا رؤيته!
والشخص لم يكن سوى عزازي، الذي كان مصادفاً ليمر ويلمح السيارة الفخمة والفريدة أمام منزل منتصر؛ فاستبد به الفضول وجعله يقرر زيارة بيت ابن عمه، بل ولم ينتظر حتى إذن زوجة عمه إحسان ليدخل بخطوات سريعة.
لكن ما لم يكن يتصوره أبداً، ولا حتى في أحلامه الكابوسية، أن يكون الضيف المنتظر داخل الدار هو نفسه.. الشيخ جاسم!المفاجأة أصابته بالشلل عن أي حركة سوى عيونه التي كانت تدور على الجالسين حول مائدة السفرة بذهول، لتستقر أخيرًا على جاسم الذي كان يأكل باسترخاء شديد، وكأنه جالس في بيته بل ويضيفه أيضًا:تفضل يا عزازي، حياك الله تعالى كل معنا.
أخيرًا وجد صوته ليرد باختناق:ـ آكل معاك .... كمان؟! جرى إيه يا شيخ جاسم، جرى إيه يا منتصر؟ هو صاحب مين فينا؟!رد منتصر بهدوء مماثل:ـ وه يا ولد عمي، ما الراجل بيكلمك تيجي تاكل معانا.. إيه دخل ده بالصحوبية؟!
جأر عزازي بعصبية يقطر كلامه بالشك:ـ في إن الأمر حاسه مش مفهوم! عازم الراجل من ورايا، تخليه ينزل من بلده من غير ما يبلغني عشان أعرف بالصدفة إنه عندك.. لا، وكمان مخلي البساط أحمدي و...!
قطع كلامه بنظرة حقيرة نحو صابرين التي كانت مقبلة عليهم حاملة صينية "البشاميل"، وتلقاها عنها منتصر بسرعة وقد انقلب وجهه غضبًا من تلميحه السخيف. إلا أن جاسم كان الأسرع في الرد بمكر وهدوء أعصاب:ـ الحق معك تزعل يا عزازي إني ما بلّغتك، أما إنك تلومني على زيارتي لمنتصر أو الأكل عنده، فللأسف يعني.
. مهما كانت درجات صداقتي بك، ما راح تكون أغلى من النسَب!ـ نَسَب؟!هتف بها عزازي، ليكمل بغضب عارم:ـ نَسَب مين يا شيخ جاسم؟!سمعه الأخير، فانبجست على محياه ابتسامة واثقة وهادئة:ـ نسبي بمنتصر.. هو معاه كم أخت ما تزوجن غير صابرين؟
عزازي كادت عيناه ان تخرج من محجريهما من شدة الصدمة والذهول، وهو يلتفت ببطء نحو صابرين المذهولة الواقفة كأنها أصابتها صاعقة:ـ صابرين؟! يعني إنتَ فعلاً خطبت صابرين؟!أعاد جاسم التأكيد عليه بثقة تامة وهدوء:ـ أبشر يا عزازي، باقولها لك مرة ثانية..
أنا تقدمت لصابرين، وهي خذت فرصتها عشان تفكر، وأول ما وصلني ردها إنها وافقت، رجعت فوراً وركبت طيارتي ونزلت! ما تواخذني؛ لإني ما مريت عليك ولا لحقت أبلغك.. الفرحة لخبطتني، وتوي نازل من المطار على هني على طول!
أكيد كنت بخلص جلستي مع منتصر وأجي عندك ردّه كان مفحماً ومقنعاً لدرجة أصابت عزازي بالوجوم والصدمة، فانتهز منتصر الفرصة ليدعوه من جديد ببرود أعصاب:ـ مش هتيجي يا واد عمي تشاركنا اللقمة؟! إنت عارف أكل صابرين عاد!
ساعتها فقط استعاد عزازي نفسه، فقرر أن يرمي اللوم على منتصر ليحفظ ما تبقى من كرامته:ـ لا يا سيدي.. كل واشبع وتهنى انت مع الشيخ! مادام عرفت تخبّي عليا -وأنا ولد عمك وأقرب الناس لجاسم- يبقى الله يسهلكم إنتوا الاثنين، امشي كمان لعلّي أكون عزول ما بينكم!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.