. لم تكن راغبة في الدخول في أحاديث عن الماضي مع شخص لا تعرفه، خصوصًا أن كل ما سمعته منذ وصولها كان يدور حول البيت وأهله. أعطاها الصبي الأغراض، فدفعت ثمنها، ثم حملت الكيس وهمّت بالمغادرة. لكن الرجل ناداها قبل أن تبتعد.
"استني يا بتي، لو احتچتي حاچة وإنتي لوحدك، الدكانة مفتوحة لحد متأخر" التفتت إليه، وقد رقّ صوتها قليلًا "شكرًا يا حاج، ربنا يخليك" تابعت طريقها، وهي تشعر أن الرجل لم يكن سيئ النية، لكن فضوله كان مثل فضول الآخرين.
ربما كانت عودتها إلى الجزيرة حدثًا نادرًا بما يكفي ليجعل الجميع يتحدثون عنها. لم تكن تريد أن تصبح حديث المجالس كانت تريد فقط أن تبدأ من جديد. في بيت الدهشورية الكبير، جلست سحر إلى المائدة، بينما كانت سلمى ترتب بعض الأطباق، والجدة تتابع ما يجري بعينين لا يفوتهما شيء.
لم يكن شاهين قد عاد بعد، لكن خبر مجيئه إلى البيت القديم سبق وصوله إلى المنزل، كالعادة. في الجزيرة، لم تكن الأخبار تحتاج إلى وقت طويل كي تصل إلى البيوت، خصوصًا حين يتعلق الأمر بشخص غريب. قالت سلمى وهي تجلس في مكانها: "يعني البت ديت هتجعد في البيت ده فعلًا؟
" رفعت سحر عينيها إليها "ما هي راحت بيت أهلها، يا سلمى هتجعد فين يعني؟" "أنا مش قصدي كده يا أمه، بس غريبة تدخل الچزيرة من غير ما حد يعرف عنها حاچة، وتروح تجعد في بيت مجفول من سنين. مش شايفة إن الموضوع غريب؟
" تدخلت الجدة بصرامة: "الغريب إن واحدة تدخل أرضنا من غير ما تعرف مجامها، ولا تسأل عن كبير البلد" تنهدت سحر، فقد كانت تعرف أن الجدة لن تتقبل الأمر بسهولة "يا أمه، هي سألت عن بيت أهلها ودخلته ما كسرتش باب، ولا دخلت بيت حد غصب عنيه" "وإنتِ عرفتي منين إنها ما وراهاش حاچة؟
" سكتت سحر لحظة، ثم أجابت بهدوء: "ماعرفش، وعلشان إكده ما حكمتش عليها" لم يعجب الرد الجدة، فضمت شفتيها ونظرت إلى سلمى "أهو ده اللي بجول عليه .. الطيبة الزيادة بتخلي الناس تفتكر إن مفيش حساب" لم تجب سحر، واكتفت بإزاحة طبق صغير إلى منتصف المائدة.
كانت تعرف أن وراء صرامة الجدة خوفًا قديمًا من أن يفقد البيت هيبته، لكنها لم تكن تؤمن بأن كل موقف يحتاج إلى الشدة نفسها. أحيانًا يكون التريث أكثر حكمة من إصدار الأحكام، وأحيانًا تكون الرحمة هي الطريق الأقصر لفهم ما لا يستطيع الناس قوله.
أما سلمى، فظلت تفكر في الغريبة "طب وشاهين جال إيه؟" "شاهين هيعرف يتصرف" جاء صوت شاهين من عند الباب، فالتفتت النساء إليه دخل بخطوات هادئة، وألقى نظرة سريعة على المائدة قبل أن يجلس في مكانه المعتاد.
قالت الجدة على الفور: "كنت لسه بجول إن البت دي لازمن تعرف إن للبلد كبير، وإن مفيش حد يعمل اللي على مزاچه" تناول شاهين كوب الماء، وشرب قليلًا قبل أن يجيب: "وهي عملت إيه غلط يا چدتي؟" بدت الجدة مندهشة من سؤاله "كيف يعني عملت إيه؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.