لقد عرفه منذ طفولته، حين كان يرى والده يجلس مع سليم الرفاعي، صديقه الذي جمعته به أيام من الود. كان يتذكر سليم جيدًا، ويتذكر أيضًا أن رحمة كانت حب عمره، المرأة التي تزوجها وغادر معها الدهشورية منذ زمن . لكن سالم؟
كيف أصبحت ابنة رحمة .. ابنة لسالم الرفاعي؟ اعتدل شاهين في جلسته، ثم سأل بنبرة أكثر جدية: «إنت متأكد من الكلام ده؟ متأكد إن اسم أبوها سالم، مش سليم؟» أجاب الرجل من غير تردد: «أيوه يا بيه، ده الاسم المكتوب في الأوراق الرسمية .
.. غالية سالم الرفاعي، وأمها تبجى رحمة الرشيدي» صمت شاهين، وعادت عيناه إلى الورقة أمامه، لكنه لم يقرأ حرفًا مما كُتب فيها. لم يكن يملك ما يسمح له باتهام أحد، ولم يكن يعرف ما جرى لتلك العائلة بعد رحيلها عن الجزيرة.
كل ما يعرفه أن سليم تزوج رحمة، وأنهما غادرا مع عائلتهم ، وأن الاسم الذي سمعه الآن لا يتفق ابدا مع ما بقي في ذاكرته عن تلك الأيام. ربما كانت هناك تفاصيل لم يعرفها، وربما كان في الحكاية جزء غاب عنه طوال السنوات الماضية.
لكنه لم يكن مستعدًا لأن يبني حكمًا على مجرد تضارب فى المعلومات. رفع عينيه إلى الرجل من جديد، وقال بحزم: «خلاص، كفاية لحد إهنة» ثم أضاف، مؤكدًا على كلماته: «والكلام اللي عرفته ده يفضل بيني و بينك .. مفهوم؟» «مفهوم يا شاهين بيه» بقي شاهين ينظر إلى الورقة التي تحمل اسمها.
غــالية سالم الرفاعي. اسم لم يكن فيه ما يدعو للشك في ظاهره، لكنه فتح أمامه سؤالًا لم يجد له إجابة. إذا كانت رحمة قد غادرت الجزيرة زوجةً لسليم، فكيف أصبحت ابنتها مسجلة باسم سالم؟ لم يعرف شاهين الإجابة، ولم يكن يعلم أن وراء ذلك الاسم حكاية لم تصل إلى أحد كما حدثت بالفعل.
لكنه أدرك أن عودة غالية إلى الدهشورية لم تكن مجرد عودة امرأة إلى بيت قديم. كان هناك شيء لا يعرفه بعد، واسم واحد كفيل بأن يعيد إلى ذاكرته زمنًا ظن أنه صار من الماضي. تردد الرجل، ثم قال: "وفي حاچة تانية يا كبير" "جول" "الناس بدأت تتكلم .
. فيه اللي بيجول إنها چاية عشان البيت، وفي اللي بيسأل إذا كانت ليها جرابة بحد من اللي سابوا الچزيرة زمان" تغيرت نظرة شاهين قليلًا لم يكن قلقه من الكلام في حد ذاته، بل من الطريقة التي يمكن أن يتحول بها إلى فتنة.
كان يعرف أن بعض أهل الجزيرة لا يحتاجون إلا إلى اسم عائلة حتى يعيدوا فتح أبواب قديمة. "خلي بالك، الكلام ده ما يزيدش عن حدّه. اللي عايز يتكلم في عرض الناس أو ينشر حكايات من غير دليل، يبجى يتحاسب على كلامه" "حاضر يا كبير" "والبت محدش يجيب سيرتها بسوء .
. اللي عنده سؤال يحط بُلغة جوه خشمه و يخرس" انصرف الرجل، وبقي شاهين وحده. كان يمكنه أن يطلب مزيدًا من التفاصيل، وأن يرسل شخصًا إلى خارج الجزيرة ليتتبع ماضيها أكثر، لكنه لم يرَ فائدة في الاستعجال.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.