أخرجت الأتربة، وغسلت الأرضية، ورتبت الأواني التي وجدتها. كان العمل شاقًا، لكنه منحها شعورًا بالسيطرة على شيء واحد على الأقل من الأشياء التي حدثت في حياتها. وبينما كانت تحاول تحريك مقعد حجري ثقيل قرب الجدار، انزلقت قدمها فوق بقعة رطبة، وكادت تسقط.
تمسكت بطرف المقعد في اللحظة الأخيرة، ثم استقامت وهي تزفر بضيق "ناقصاني أقع وأكسر رجلي كمان، عشان تبقى بداية مبشرة فعلًا" جاءها صوت من خلف البوابة: "إنتِ بتكلمي نفسك يا بتي؟!" التفتت بسرعة، فرأت امرأة في منتصف العمر تحمل سلة صغيرة، تقف عند المدخل بابتسامة ودودة اعتدلت غالية، ومسحت يديها في ثوبها و تحدثت بخجل "لا، انا كنت بس آ… ثم اردفت بمزاح .
. الصراحة كنت بكلم نفسي فعلا " ضحكت المرأة و اقتربت قليلًا، لكنها بقيت عند عتبة الباب "أنا اسمي زينب، ساكنة في البيت اللي هناك ... چبتلك فطار على الجد إكده ، جولت لساتك بتتعرفي على البلد و محلتكيش لجمة فى البيت " نظرت غالية إلى السلة بدهشة "تعبتي نفسك ليه؟
أنا كنت هتصرف" "يا بتي ده عيش وچبنة، مش چهاز عروسة ... خديهم، وربنا يچعلها دار خير عليكي" ترددت غالية للحظة، ثم أخذت السلة "شكرًا يا طنط زينب، بجد مش عارفة أقولك إيه" "جولي ربنا يباركلك، وكفاية إكده" نظرت زينب إلى الفناء، ثم إلى النوافذ القديمة "البيت محتاچ شغل كتير، بس إنتي شكلك جدها" "اهو هحاول أظبطه واحدة واحدة" "ولو احتچتي ست تساعدك في التنضيف أو أي حاچة، نادي عليا " شكرتها غالية مرة أخرى، وودعتها، ثم عادت إلى الداخل لم تكن تتوقع أن تجد من يقدم لها المساعدة بهذه السرعة.
ربما لم تكن الجزيرة كلها كما تخيلتها بعد لقائها الأول بشاهين، وربما كان من الظلم أن تحكم على المكان كله من خلال رجل واحد. وضعت السلة على الطاولة، وأخذت منها قطعة خبز، ثم عادت إلى العمل. كانت قد بدأت للتو في ترتيب أحد الأرفف حين سمعت طرقًا على البوابة.
هذه المرة، لم يكن الطرق خفيفًا كطرق زينب. مسحت يديها، وتوجهت إلى المدخل، ثم فتحت الباب بحذر. كان يقف أمامها رجل في أواخر الثلاثينيات، يرتدي ثوبًا صعيديًا بسيطًا، ويحمل صندوقًا صغيرًا من الأدوات. لم يكن من رجال شاهين الذين رأتهما في الليلة الماضية.
قال الرجل مبتسمًا: "صباح الخير يا بتي، إنتِ انسة غالية؟" "أيوه، مين حضرتك؟" "أنا چابر، نجار البلد .. كبيرنا بعتني أبص على الشبابيك والباب، وأشوف إيه اللي محتاچ يتصلح" تغيرت ملامحها قليلًا "كبيرنا؟!" "أيوه شاهين بيه ، جال البيت قديم وممكن يحتاچ تصليحات، وإننا نعمل اللي تجولى عليه" لم يعجبها أن يقرر أحد بالنيابة عنها ما تحتاج إليه، حتى لو كانت نيته حسنة "أنا مقدرة اهتمامه، بس أنا ما طلبتش حد يصلحلي حاجة" لم يبدُ على جابر الانزعاج .
. وضع الصندوق على الأرض، وأجاب بهدوء: "ماشي يا بتي، وأنا مش هعمل حاچة من غير إذنك ... بس الكبير جال لي أبص و امر عليكي ، ولو إنتِ مش عايزة، أرچع له وأقوله" ترددت غالية .. كان الباب فعلًا يحتاج إلى إصلاح، وإحدى النوافذ لا تغلق بإحكام.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.